ملا محمد مهدي النراقي
مقدمة ح
جامع الأفكار وناقد الأنظار
الشيعية . وفي الحقيقة أن هذا القرن يمر والروح العلمية فاترة إلى حد بعيد ، حتى أنه بعد الشيخ المجلسي صاحب البحار المتوفى في أول هذا القرن عام 1110 ه ، لم تجد واحدا من الفقهاء الأصوليين من يلمع اسمه ويستحق أن يجعل في الطبقة الأولى ، أو تكون له الرئاسة العامة ، إلا من ظهر في أواخر القرن ، كالشيخ الفتوني الجليل في النجف المتوفى عام 1183 ه ، ثم الشيخ آقا الوحيد البهبهاني في كربلاء المتوفى عام 1208 ه ، الذي تم على يديه تحول العلم إلى ناحية جديدة من التحقيق . فيبرز شيخنا المترجم له في عنفوان معركة الاخبارية والأصولية ، وساحتها كربلاء ، وفي عنفوان معركة الدعوة إلى التصوف ، وساحتها أصفهان على الأكثر ، فيكون أحد أبطال هاتين المعركتين ، بل أحد القواد الذين رفعوا راية الجهاد بمؤلفاته وتدريسه ، وساعده على ذلك أنه - رحمه اللّه - كان متفننا في دراسة العلوم ، ولم يقتصر على الفقه والأصول ومقدماتهما ، فقد شارك العلوم الرياضية ، كالهندسة والحساب والهيئة ، وله مؤلفات فيها سيأتي ذكرها . شخصية المترجم له وأخلاقه إن أعاظم الناس ونوابغهم لا تأتيهم العظمة والنبوغ عفوا ومصادفة ، من دون قوة كامنة في شخصيتهم أو ملكة راسخة في نفوسهم ، هي سر عظمتهم وتفوقهم على سائر الناس . وما كلمة الحظ في هذا الباب إلا تعبير مبهم عن تلك القوة التي أودعها اللّه تعالى في شخص النابغة . وقد تكون تلك القوة مجهولة حتى لشخص صاحبها الذي يتحلى بها ، بل على الأكثر هي كذلك ، فيندفع العبقري إلى تلك القمة التي خلقت له أو خلق له بدافع تلك القوة الكامنة اندفاعا لا شعوريا ، وان كانت اعماله الجزئية التي يقوم بها هي شعورية بمحض اختياره . وتلاحظ قوة شخصية شيخنا المترجم له في صبره وقوة إرادته وتفانيه في طلب العلم ، ثم عزة نفسه ، وان كانت هذه الفاظا عامة قد يعبر بها عن كثير من الناس ، ويصح التعبير بها بلا كذب ولا خداع ، إلا أن الدرجة الخاصة من الصبر والإرادة والحب والعزة ونحوها التي بها يمتاز الشخص النابغ تضيق اللغة عن التعبير عنها بخصوصها إلا بهذه الالفاظ العامة الدارجة وتظهر الدرجة الخاصة التي يختص بها صاحبنا من هذه الأمور في ثلاث حوادث منقولة عنه : ( الاوّلى ) - فيما ينقل انه كان في أيام التحصيل في غاية الفقر والفاقة - والفقر دائما شيمة